أحمد بن محمد مسكويه الرازي
38
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
بعد بضع صفحات من ذلك نجده يكتب فيما يخص الجواهر والمعادن الثمينة الأخرى ويقول : « فأمّا الأحجار المتنافس فيها من اليواقيت وأشباهها ممّا تبعد عنه الآفات في أنفسها ، فليس تبعد عن الآفات الخارجة من السرقة ووجوه الحيل فيها ، وإذا أدّخرها الملك قلّ انتفاعه بها عند حاجته إليها ، وربّما عدم الانتفاع بها دفعة ، وذلك انّ الملك إذا اضطر إليها لم تنفعه في عاجل أمره وحاضر ضرورته » . وقد شاهدنا أعظم الملوك خطرا في عصرنا لما احتاج إليها بعد فناء أمواله ونافذ ما في خزائنه وقلاعه ، لم يجد ثمنها ولا قريبا من ثمنها عند أحد . ولكن من هو الأمير البويهي الذي يستحقّ لقب « أعظم الملوك » خطرا في عصرنا ، إن لم يكن عضد الدولة ؟ مهما يكن من أمر فإنّ الإشارة الأولى تكفي لكي نعلم أنّ « تهذيب الاخلاق » كان قد ألّف بعد عام 372 ه ، أي بعد نضج مسكويه وتحوّله إلى اعتناق الحكمة . أهمية الكتاب : لا ريب في أنّ « تهذيب الأخلاق » هو الكتاب الأهم لدى مسكويه . فهو يمثل خاتمة مساره ، وتتويجا لسنوات عديدة من القراءة ، والمراقبة ، والتأمّل العميق . وهو يجمع بين دفّتيه كل المسائل والموضوعاتت المعالجة في مؤلفاته الأخرى ، ولكنّها هنا مكثّفة ومرتّبة بطريقة معينة لكي تشكل نظاما متكاملا من البناء الأخلاقي التربوي ذي الضخامة التي لا يستهان بها .